عيون الاخبار لاحدث الاخبار

جميع الاخبار السياسية و الفنية و الرياضية و الصحية و العلمية و الاقتصادية

make money

(الغائب) قصة للفيلسوف الفرنسى رولان بارت ترجمة: محمد عيد إبراهيم

شاطر
avatar
eyesnews
صاحب المنتدى
صاحب المنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 547
تاريخ التسجيل : 08/03/2014

مميز (الغائب) قصة للفيلسوف الفرنسى رولان بارت ترجمة: محمد عيد إبراهيم

مُساهمة من طرف eyesnews في الأحد نوفمبر 08, 2015 2:39 pm

هناك عدد من الأغاني والأناشيد والألحان عن غياب المعشوق. على رغم ذلك لا يوجد هذا الشكل الكلاسيّ في "آلام فيرتر". لسبب بسيط: المعشوق هنا (شارلوت) لا يتحرك، صاحب الغرام (فيرتر) لدى لحظة محددة يرحل. قد يوجد الغياب عاقبة للآخر: الآخر الذي يهجر، بينما أنا أتلبث.

الآخر في حالة رحيل سرمديّ، الآخر رحّال، بندائه الباطني مهاجر، أما أنا (أنا العاشق بنداء باطنيّ منقلب، مقيمٌ ساكن، في المتناوَل، فيما هو متوقَّع، مثبّت في المكان مرتقب) كمثل صرّة في ركن منسيّ بمحطة سكة حديد.
يوظّف الغياب غرامياً في اتجاه واحد، يعبّر عنه من يبقَى لا من يهجر: أنا الحاضر الدائم منتصبٌ في مواجهةٍ معك أنتَ الغائبُ الدائم. أكلّم هذا الغياب بمعنى أن أقترح مكان المغرَم ومكان الآخر دون تبادل الترتيب، أقول "إني معشوق أقلّ مما أنا عاشق".
*
خطابُ الغياب تاريخياً تدبرهُ المرأة: المرأة مقيمة والرجل يصيد في رحلات، المرأة مخلصة (تنتظر) والرجل متقلّب (يبحر بعيدا، يطوف بحراً). هي المرأة التي تمنح شكلاً للغياب، تتقن روايته، فلديها وقت لتنسج وتغني، تعبّر أغاني الغزل عن الثبات (بهمهمة دولاب العجلة) وعن الغياب (إلى بعيد، إيقاعات سفر، موران بحر، مواكب). يتبع هذا ذاك بأي رجل يلفظ غيابَ الآخر، يُعلَن عن شيء نسويّ: هذا الذي ينتظر ويعاني من انتظاره رجل مُنَسْوَن عجيب. ولا يتنَسْوَن الرجل لأنه مقلوبٌ بل لأنه عاشق.
*
لا أجد صعوبة أحيانا في تحمّل الغياب. إذن أنا "عادي"، أسقط بالطريقةِ التي يتحمّل بها "كلّ امرئٍ" رحيلَ "معشوق": أُطيع جاهداً ذلك التدريبَ الذي اعتدتُ عليه مبكراً حينما كنتُ أنفصل عن أمي. برغم ذلك ظلّ لدى مصدرهِ أمرَ معاناةٍ (لا نقولُ هيستيريا). أتصرّف كمفطومٍ فعلاً، يمكنني أن أغذّي نفسي في هذه الأثناء على أشياءَ أخرى تُضاف للثدي الأُمويّ.
لا يُقارَن هذا الغياب المُجهِد أكثرَ أو أقلّ بكثرةِ النسيان. فأنا بشكلٍ متقطع، غيرُ مخلصٍ. ذلك شرطُ وجودي، ولو لم أنس سأموت. العاشق الذي لا ينسَى أحياناً يموتُ من الانغماس، الإنهاك، وتوتّر الذاكرة (مثل فيرتر).
(وأنا صغير، لم أنس: الأيام المتطاولة، الأيام المخذولة، وقت أمي كانت تعمل بعيداً، كنتُ أذهب في الأمسياتِ أنتظر أمي في محطة باص يوبي، تمضي الباصات واحداً بعد آخرَ، ولا توجد في أيّ منها).
*
أتنبّه من النسيان بسرعة. أُعيدُ باستعجالٍ هائل نصبَ ذاكرة، فوضى. تخرج كلمة "كلاسيّة" من الجسد وهي تعبر عن حركة غياب، (أتلهّف) "أتلهّف لحضورِ جسدي": نصفا منشط الذكورة يتلهّف على بعضه البعض، كوني غيرَ مكتملٍ أَنشُدُ الامتزاجَ مع الآخر، بصورة العناق نُذابُ إلى صورةٍ واحدة: أنا في غيابٍ غراميٍّ حزين، صورةٌ غيرٌ ملصَقَة تجفّ تصفرُّ تذبلُ.
(لكن أليست الرغبة دائماً هي ذاتها، سواءٌ حضرَ صاحبُ الغرام أو غابَ؟ أليسَ صاحبُ الغرام في غيابٍ دائم؟ لكن الوَهَن ليس هُو هُو: فهناك كلمتان: Pathos (عواطف) رغبةٌ لكيانِ الغائب، وHimeros (ربّ الرغبة) رغبةٌ أشدّ احتراقاً لكيانِ الحاضر).
*
أؤازرُ خطابَ غيابِ المعشوق دون نهاية، موقفٌ مُحال فعلاً فالآخرُ غائبٌ كإشارة، حاضرٌ كتوزيعِ حِصّة. يُولّد هذا التشوّش المفرَد نوعاً من الحاضرِ غيرِ المحتَمل، فأنا مقحَم بين توتّرين، الإشارة وتوزيع الحِصّة: لقد رحلتَ (أُعول هكذا)، أنتَ هنا (لأني أخاطبكَ). وهكذا أعرفُ كنهَ الحاضر، ذلك التوتّر العصيبُ: نصيبٌ نقيّ من القلقِ.
يثابرُ الغيابُ ولا بدّ أن أتحمّله. مِن ثَمّ أُعالجه: أُحيلُ تشوّشَ الزمن إلى تذبذبٍ، أُنتج إيقاعاً، وأقومُ بمُدخَلٍ صوبَ منصةِ اللغة (تولَد اللغةُ من الغياب: يجعلُ الطفل نفسَه دميةً تخرجُ من ملفّ الخيوط، يرمي بها لبعيدٍ ثم يلقطُها من جديد، يمثّل صامتاً رحيلَ أمه والعودة: فيتخلق أنموذجٌ). يصيرُ الغياب ممارسةً نًشِطة، عملاً (يبعدني عن أداءِ شيء آخر)، إبداعُ روايةٍ بها أدوارٌ كثيرة (شكوكٌ، تأنيباتٌ، رغباتٌ، هواجس).
وضعُ اللغة على مِنصّة يرجئ موتَ الآخر: فاصلٌ قصير جداً، يخبروننا، ريثما يعتقدُ الطفل بأن أمّه لا تزالُ غائبةً ومع الوقتِ بأنها ماتَت. معالجةُ الغيابِ تعني تمديدَ هذا الفاصلِ، تأخيرَ اللحظةِ طويلاً قدرَ الإمكان حتى يتداعَى الآخرُ للسقوطِ بحدّةٍ من الغيابِ نحو الموت.
*
يتخذ الإحباط حضوراً بشكله (أرى الآخر يومياً، على رغم ذلك فهو غير راض: يداوم صاحبُ الغرام فعلياً، بمصطلحاتِ ذخيرتي الصُوَرية، ليغيبَ من أجلي هناك). بينما يتّخذ التشوّه انقطاعاً بشكله (أوافق على هجرِ الآخر وهلةً "دون دموع"، أتلبّس أسَى العلاقة، فأنا قادرٌ على النسيان). الغيابُ شكلٌ من الحرمان، أنا أرغبُ فأنا أحتاج. تنسحقُ الرغبةُ أمامَ الحاجة: تلك ظاهرةُ الاستحواذ لكلّ عاطفةٍ غرامية.
("الرغبةُ حاضرةٌ حماسيةٌ خالدة: لكن الله لا يزال أعلى، بينما لا تصلُ أذرع الرغبةِ المرفوعةُ أبداً إلى كمالِ المعبود". خطابُ الرغبة نصٌّ بمدلولَين: أذرع الرغبة المرفوعةُ، وأذرعُ الحاجة على اتّساعها. أتأرجحُ مُذَبذباً ما بين الصورة القضيبية للأذرعِ المرفوعة، والصورة الصبيانيةِ للأذرع على اتساعها).
*
آخذُ مِقعداً وحدي بمقهىً، يأتيني الناسُ للكلام معي، أحسّ أني منشودٌ مُحاطٌ مُداهَن. لكن الآخرَ غائبٌ، أتضرعُ إلى الآخر روحياً ليحفظني على شفيرِ هذا الرضَى الدنيويّ، إغراءٌ. ألجأ إلى "حقيقةِ" الآخر (هذا الآخرُ يهبني الإحساسَ) ضدّ هيستيريا الإغراء التي أحسّ بنفسي وهي تنزلق فيها. أجعلُ غيابَ الآخر مسؤولاً عن دنياي: أتضرّع لحمايةِ الآخر، عودةِ الآخر: أدعُ الآخرَ يظهر، يأخذني لبعيد، كأمّ تهلّ لتفتّشُ عن صغيرها، من هذا السطوع الدنيويّ، الافتتان الجماعيّ، أدعُ الآخر يستردّ لأجلي "الألفةَ الوَرِعةَ والوقارَ" من عالَمِ العاشق.
(أخبرني س مرةً أن العشقَ حَماه من الدنيويّة: شلل، طموحات، ترقيات، صِدامات، تحالفات، انسحابات، أدوار، قوَى: صَيّره العشق فجيعةً اجتماعية، كان بهجتَه).
*
يقول البوذيّ قون: "يقبض المولَى رأسَ المريدِ تحتَ الماءِ لوقتٍ طويل، حتى تقلّ الفقّاعاتُ تدريجياً، ولدى اللحظةِ الأخيرة يجذبُ المولَى مريدَه للخارجِ ويستنعشُه: عندئذ تُلتَمَسُ الحقيقةُ كما يُلتَمَسُ الهواءُ".
غيابُ الآخرِ يقبضُ رأسي تحتَ الماء، أغطسُ تدريجياً فينفد المدّ الهوائيّ: خُنّاقُ الغرقِ يُعيد تنشئةَ حقيقتي، وبها أتجهّزُ لما في العشقِ من عِناد.
…………….
(*) نُشر النصّ في ترجمتي (تخمينات من الأدب العالميّ)، مركز الحضارة العربية، 2003.
(*) اللوحة، للفنان الإسبانيّ: سلفادور دالي، يصوّر زوجته غالا!
(*) النصّ، مقتطَف من كتاب بارت (شذرات من خطاب عاشق)

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 11:33 am